فوزي آل سيف

16

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

وبقي بعد ذلك الترتيب الرسمي لموضوع الزواج، فجاء بنو هاشم إلى منزل خديجة يتقدمهم رأس الهاشميين أبو طالب بن عبد المطلب، ليخطب خديجة من عمها باعتبار أن والدها – على ما هو الصحيح – كان قد قتل في حرب الفجار، وبعد أن استقر بهم المقام، خطب أبو طالب خطبة يتبين فيها معرفته بمقام ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، جاء فيها: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع إسماعيل، وضئضىء معد–أي معدنه وأصله- وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرما آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان في المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا. وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل». ونشير هنا إلى خطأ موجود لدى بعض الكتاب وربما الخطباء وهو أنهم يقولون أن خديجة قامت وسقت أباها خمراً حتى لا يعارض عقد النكاح.. وهذا كلام باطل لجهات: أولاً: إن أباها كان قد توفي قبل ذلك الوقت بسنوات، فقد نص غير واحد من المؤرخين عليه[30] وذكروا «إنّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ – عمها - هُوَ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ الفجار». ثانياً: لأن هذا لا ينسجم مع ما هو معروف من طهارة خديجة قبل الإسلام، وأنها لم تكن تحب الباطل، وإنما انتظرت هذه السنوات لأنها لا تجد فيمن يتقدم لخطبتها ما يناسب أخلاقها ومبادئها، فهل تراها هناك تتوسل بالباطل وبأن تسقي أباها خمراً؟!. ثالثًا: الكل يعرف بأن السكران لا عبارة له ولا يمكن أن يقبل أو يرفض والمعاملة باطلة. رابعاً: إن بني هاشم وفي طليعتهم رأسهم أبو طالب ممن حرموا على أنفسهم الخمر لما أخذوه من ديانتهم الإبراهيمية، لا سيما والنبي موجود! كيف يسمحون بمثل هذا الفعل؟! ويجرون النكاح على أساس عبارة رجل سكران؟ أفترى النبي يقبل بعقد نكاح قائم على عبارة سكران؟! وهو ممن لا تقبل منه العبارة ولا يصح منه عقد ولا ميثاق؟.

--> 30  السهيلي؛ الروض الآنف 2/ 239.